قطب الدين الراوندي

332

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

واستغلق رهينته ، أنكر ما زين واستعظم ما هون وحذر ما أمن . ( الشرح ) : ذكر عليه السلام في هذا الفصل أحوال المكلفين وخلق اللَّه لهم جميع ما يحتاجون إليه من أسباب التكليف ، وهدايتهم إلى ما يستنفعون به عاجلا وآجلا . ثم ذكر من أحوال الموت وشدائدها ، بعد ذكر تغير أحوال بني آدم في الدنيا من الشباب والشيخوخة والغنى والفقر والصحة والسقم . ثم ذكر أحوال القبر وأهوال القيامة ، ثم ذكر علة تأمل العقلاء في جميع ذلك واعتبارهم ، ثم ذكر وعظا بليغا ووصى وصية كاملة . أما تفسيره فإنه عليه السلام قال أولا « جعل لكم أسماعا » أي خلق لكم آذانا لتعي ، أي لتحفظ تلك الاسماع ما يعنيها ، أي ما يهمها . ومنه قوله عليه السلام « من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه » أي ما لا يهمه . « وجعل أبصارا » أي لتجلو تلك الابصار ما يؤديها من الظلمة . والعشا : مقصور مصدر الأعشى ، وهو الذي لا يبصر بالليل وان كان يبصر بالنهار . والعشا هاهنا استعارة عجيبة ، لان الشبهة تدخل على أهل العلم ويمكنهم أن يجلوها ، وإذا لم تكن شبهة في طريقهم يكونون في ضياء من العلوم ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال ابن ميثم في الشرح 2 - 251 في بيان « جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها » إلخ : تذكير بنعمة اللَّه تعالى بخلق الأبدان وما تشتمل عليه من المنافع ، ففائدة الاسماع أن تعي ما خلقت لأجله ، وفائدة الابصار أن يدرك بها الانسان عجائب مصنوعات اللَّه تعالى فيحصل له منها عبرة . ولفظ « العشا » يحتمل أن يكون مستعارا لظلمة الجهل العارض لإبصار القلوب حتى يكون التقدير لتجلو عشا قلوبها وحينئذ فادراك البصر المحصل عبرة يحصل للقلب به جلاء لذلك العشا ، فصح أذن اسناد الجلاء إلى الابصار . ويحتمل أن يكون مستعارا لعدم ادراكها ما تحصل منه العبرة إذ كانت فائدتها ذلك ، فإذا لم يحصل منها ذلك الادراك المفيد عبرة عنها وهو استعارة أيضا . و « عن » ليست بزائدة ، لان الجلاء يستدعي مجلوا ومجلوا عنه ، فذكر عليه السلام المجلو وأقامه مقام المجلو عنه ، فكأنه قال : لتجلو عن قواها عشاها . إلخ . وقال ابن أبي الحديد في الشرح 6 - 258 : و « عن » هاهنا - أي عن عشاها - زائدة ، ويجوز أن تكون بمعنى « بعد » كما قال الشاعر : لقحت حرب وائل عن حيال أي بعد حيال ، فيكون قد حذف المفعول ، وحذفه جائز لأنه فضلة ، ويكون التقدير : لتجلو الأذى بعد عشاها . أقول : والشعر لحارث بن عباد على ما في هامش شرح ابن أبي الحديد . وأوله : قربا مربط النعامة منى